صادفت مقطعًا عابرًا، لم أكن أبحث عنه، لكنه وجدني.
كان يتحدث عن الحياة المؤجلة، عن ذلك الوعد الخفي الذي نُعطيه لأنفسنا بأن نعيش لاحقًا، ليس الآن. أغلقت المقطع، لكن الفكرة لم تذهب، بقيت تدور في رأسي كصوتٍ منخفض يرفض الرحيل.
تذكّرت كم مرة أقنعت نفسي أن هذا ليس الوقت المناسب بعد، وأن الحياة الحقيقية تنتظرني في نسخةٍ أكثر ترتيبًا من الأيام.
أدركت أننا في أغلب وقتنا لا نعيش الحياة…
بل نؤجلها، لأننا لم نصبح النُسخة التي نطمح لها بعد.
كبرنا ونحن نؤمن أن الحياة ستبدأ لاحقًا، حين تهدأ الفوضى.
نضعها جانبًا كما يُوضع كتاب ثمين على رفٍ مرتفع، ونقول: سأقرأه حين يتسع الوقت، ولا ننتبه أن الوقت لا يتسع أبدًا. تمر الأيام ونحن في وضع تأهب دائم، كأن الحياة بروفة طويلة لعرضٍ ننتظره لكنه لن يُقام.
نقول: حين أرتاح.
حين أصل.
حين ينتهي هذا الفصل المرهق.
نقنع أنفسنا أن هذا ليس هو الوقت المناسب، مع أن الوقت لا يعرف المناسبة، هو يمضي فقط. ويأخذ معه ما لم نجرؤ على عيشه.
وكأن العيش مكافأة مؤجلة، لا تُمنح إلا بعد أن نُثبت أننا تعبنا بما فيه الكفاية.
نعيش بعقلٍ يسكن في المستقبل، وجسد غير حاضر. فنفقد اللحظة مرتين: مرة لأنها تمضي، ومرة لأننا لم نكن فيها أصلًا.
الحياة المؤجلة ليست كسلًا، بل خوفٌ مُقنّع.
خوف من أن نعيش قبل أن يأتي الوقت المثالي.
نقنع أنفسنا أن هناك نسخة أجمل من الحياة في مكانٍ ما أمامنا، حياة أكثر ترتيبًا، أقل فوضى، أقل وجعًا. ولا يخطر ببالنا أن الحياة لا تأتي مرتبة، بل فوضوية، غير متوقعة، وغير مكتملة الشروط.
كم مرة قلنا: ليس الآن
وكم مرة مرّ الآن… ولم يعد؟
فنستيقظ ذات يوم على إحساسٍ غريب: أن العمر مضى، لكننا لم نكُن شهوده، كأننا حضرنا كل شيء إلا أنفسنا.
المأساة ليست أن الحياة قصيرة، بل أننا نقضيها في الانتظار. نعيش على الهامش، ندوّن رغباتنا بقلم الرصاص، مستعدين دائمًا للمحو، خائفين أن نبدأ.
نبحث عن لحظة مثالية لنبدأ، ولا نلاحظ أن اللحظة الوحيدة التي نملكها هي هذه، بكُل نقصها وارتباكها.
لكن الحياة لا تحمل ضمانات ولا توقعات..
الحياة تُعاش.
لا تسألنا إن كنا مستعدين، ولا تنتظر أن نُكمل خططنا المثالية، ولا تعدنا بنسخة لاحقة أفضل من واقعنا الحالي. هي تحدث الآن، أو لا تحدث أبدًا.
وربما الحكمة الوحيدة التي لا تُقال بما يكفي:
أن نبدأ العيش دون الحاجة لشعور أننا جاهزون،
أن نتوقف عن معاملة الحياة كموعد مؤجل،
أن نكفّ عن تأجيل أنفسنا،
وأن نجرؤ على أن نكون هنا… الآن.