وهم الحياة المؤجلة.. عندما تمر الأيام بلا شاهد..

صادفت مقطعًا عابرًا، لم أكن أبحث عنه، لكنه وجدني. 

كان يتحدث عن الحياة المؤجلة، عن ذلك الوعد الخفي الذي نُعطيه لأنفسنا بأن نعيش لاحقًا، ليس الآن. أغلقت المقطع، لكن الفكرة لم تذهب، بقيت تدور في رأسي كصوتٍ منخفض يرفض الرحيل.

تذكّرت كم مرة أقنعت نفسي أن هذا ليس الوقت المناسب بعد، وأن الحياة الحقيقية تنتظرني في نسخةٍ أكثر ترتيبًا من الأيام.

أدركت أننا في أغلب وقتنا لا نعيش الحياة…

بل نؤجلها، لأننا لم نصبح النُسخة التي نطمح لها بعد.

كبرنا ونحن نؤمن أن الحياة ستبدأ لاحقًا، حين تهدأ الفوضى. 

نضعها جانبًا كما يُوضع كتاب ثمين على رفٍ مرتفع، ونقول: سأقرأه حين يتسع الوقت، ولا ننتبه أن الوقت لا يتسع أبدًا. تمر الأيام ونحن في وضع تأهب دائم، كأن الحياة بروفة طويلة لعرضٍ ننتظره لكنه لن يُقام.

نقول: حين أرتاح.

حين أصل.

حين ينتهي هذا الفصل المرهق

نقنع أنفسنا أن هذا ليس هو الوقت المناسب، مع أن الوقت لا يعرف المناسبة، هو يمضي فقط. ويأخذ معه ما لم نجرؤ على عيشه.

وكأن العيش مكافأة مؤجلة، لا تُمنح إلا بعد أن نُثبت أننا تعبنا بما فيه الكفاية.

نعيش بعقلٍ يسكن في المستقبل، وجسد غير حاضر. فنفقد اللحظة مرتين: مرة لأنها تمضي، ومرة لأننا لم نكن فيها أصلًا.

الحياة المؤجلة ليست كسلًا، بل خوفٌ مُقنّع.

خوف من أن نعيش قبل أن يأتي الوقت المثالي.

نقنع أنفسنا أن هناك نسخة أجمل من الحياة في مكانٍ ما أمامنا، حياة أكثر ترتيبًا، أقل فوضى، أقل وجعًا. ولا يخطر ببالنا أن الحياة لا تأتي مرتبة، بل فوضوية، غير متوقعة، وغير مكتملة الشروط.

كم مرة قلنا: ليس الآن

وكم مرة مرّ الآن… ولم يعد؟

فنستيقظ ذات يوم على إحساسٍ غريب: أن العمر مضى، لكننا لم نكُن شهوده، كأننا حضرنا كل شيء إلا أنفسنا.

المأساة ليست أن الحياة قصيرة، بل أننا نقضيها في الانتظار. نعيش على الهامش، ندوّن رغباتنا بقلم الرصاص، مستعدين دائمًا للمحو، خائفين أن نبدأ. 

نبحث عن لحظة مثالية لنبدأ، ولا نلاحظ أن اللحظة الوحيدة التي نملكها هي هذه، بكُل نقصها وارتباكها.

لكن الحياة لا تحمل ضمانات ولا توقعات..

الحياة تُعاش.

لا تسألنا إن كنا مستعدين، ولا تنتظر أن نُكمل خططنا المثالية، ولا تعدنا بنسخة لاحقة أفضل من واقعنا الحالي. هي تحدث الآن، أو لا تحدث أبدًا.

وربما الحكمة الوحيدة التي لا تُقال بما يكفي:

أن نبدأ العيش دون الحاجة لشعور أننا جاهزون،

أن نتوقف عن معاملة الحياة كموعد مؤجل،

أن نكفّ عن تأجيل أنفسنا،

وأن نجرؤ على أن نكون هنا… الآن.

على حافةِ الأيام.. نختلّس الحياة 

نحن أبناء الأيام التي لم نستعد لها، نحمل وجوهنا المُثقلة بشظايا المرحلة، ونمضي وكأننا لم ننكسر في الطريق ألف مرة. نَتكيف لأن المرونة نعمة، ولأن الحياة لا تصغي لرغباتنا دومًا. نرتدي أقنعة الصبر، نُواري خلفها تعبنا ونُقنع أنفسنا أن كل شيء سيمضي، كما مضى غيره، وكأننا لم نَعِش العواقب من قبل.  

لكن الحقيقة أننا نحملُ أوزار أفكارنا أكثر ممّا نحمل أوزار الحياة ذاتها. كم مرة اعتقدنا أننا ضحايا الظروف، ثم اكتشفنا متأخرين أن رؤوسنا هي من كبّلت خطواتنا، أن التعاسة لم تكُن في الطرقات التي سرناها، بل في الأفكار التي أقنعتنا أنها هي الطُرق الوحيدة الممكنة..كم مرة كُنا نملك فرصة للفرح، لكننا ترددنا، خوفًا من زوالهِ أو أننا لا نستحقُّه الآن، فخسرناه قبل أن نعيشه. نكتشف هذا بعد أن يمضي بنا العُمر، حين ننظر إلى الخلف فنجد أننا لم نعش الحياة التي كنا نريدها، بل تلك التي رضينا بها حين أخافَنا التغيير.  

لكننا نتعلم، ولو بعد حين، أن التعايش ضرورة، وأن -كما قيل- الليالي ليست كلها ربيعًا، وأن الهُبوب الساخنة ستعبُرنا مهما احتميّنا. ندرك أن الألم جزء من الرحلة، وأن الصبر ليس مُجرد فضيلة، بل سلاحٌ لا بد منه. لا شيء يحدث كما أردنا تمامًا، ولا الأقدار تتشكل وفق مقاييسنا، لكننا رُغم ذلك نسير، لأن الوقوف ليس خيارًا، ولأن الحياة ستمضي دون أن تنتظر أحدًا.  

نبدأ نفهم أن علينا أن نكُون خفيفي الظل على الحياة، نختَّلس لحظات الفرح كما قال ابن زيدون «اِغتَنِم صَفو اللَيالي — إِنَّما العيشُ اِختلاسُ» ، نسرُقها من زحمة الأوقات الرتيبة قبل أن تفلت من بين أيدينا. فالحياة قصيرة، وقاسية بما يكفي لأن نعيشها بانتظار فرحةٍ كاملة لن تأتي، أو انتظار وقت مثالي قد لا يأتي أبدًا. نسرق الفرح من ضحكة عابرة، من مساء هادئ، من كوب قهوة في يد مُرتعشة، من نظرةِ رضى وسط فوضى العالم.  

وفي النهاية، نتصَالح مع أخطائنا، نغفر لأنفُسنا اختياراتنا العجولة، ونعطف على ندّوبنا، لأنها دليل أننا مَررنا من هنا، أننا حاولنا.. نُدرك أن الوصول أحيانًا يحتاج إلى أن نتوه قليلًا، وأن نأخذ مُنعطفات خاطئة، أن نختبر الخيبة لنفهم طعم الصواب حين يأتي. كُل الطرق التي عبرناها، حتى تلك التي كُنا نظّن أنها خاطئة، كانت تقودنا، بطريقةٍ ما، إلى ما نحن عليه الآن.  

ونتعلم أخيرًا أن الحياة ليّست كما تخيلناها، ولا كما رسَمناها في خيالنا. علينا أن نغفر عاديّتها، علينا أن نقبل بأن بعض الأشياء لن تكُون كما أردنا، وأن هذا ليس سببًا للتوقف، بل للمضيّ بحكمة أكبر، وخفة أكبر، وأملٍ لا يخبو.

أُلفة العودة

أن تُحاول أن تُكفكف العتاب عن نفسك، لأن رُوحك مُتعبة، تُضنيها هجرًا ثُمَ تعودُ لها مُذنبًا، وخاويًا، كحالِ أرضٍ ماجرت فيها مياهٌ ولا ساحب ماطر، تنظُر لها كغريبٍ مُسافر، وتقولُ: ماهو ذلك الشيء يا تُرى حتى ركضت كل تلك المسافات لأصل؟ كـعاصفة كُنت تشيح وجهك عنها، لكنها ‏تركض الآن في صدرك..

حقًا، إنّ الإنسان لا يتعظّ. فـكما يُقال، ‏نداء العقُول يَعلُوهُ ريبٌ..

تفكر بـهبة التلاشي و الابتعاد لكن سُور المحاولة شاهقًا بما يكفي، تخاف أن تدوسَ المكان الذي ألفت الركض إليه، بساقٍ ترتجف.. تخاف أن تكشف عن مكنُونات الروح الحسّاسة لرياح الألم..

في لحظةٍ ما، تُكفكف العتاب عن نفسك لأن الواقع لا يحتمل خيبة أمل أُخرى، لن تنتظر أن يذوبَ ثلجُ العُمر على سريركَ الباكي حتى تفتح الأرضُ لك راحتيّها، ولن تطوفَ الديار بحثًا عن مُستراح، وكما تقول السلّوى:

غدًا تأتي الغيمة

وتُبلِّل القلبَ المعطوب

غدًا يمدُّ النَّهر أصابعه

و يربت على كتف عطشي

ستتذكر أشيائك الصغيرة التي لا يراها أحد غيرك، تحتفي بها وكأنها آخر شعاعٍ باهر في بؤس المجرة، وتُقاوم خوف تكرار الخيبات، تُحاول ألّا تنغمس حد الذوبان، وألّا تبتعد حدّ الاغتراب، حتى تكون أنت نفسك هُنا موجود دون غربة، دون سفر، ودون ندم..

جوابٌ.

نهرول نحو الأيام القادمة، نرغب بها أن تأتي بسرعة، نشعر بالأسى لأنها من أيام عمرنا. هنحنُ نريد أن نهدئ السرعة، أن نتأمل لكن الأيام لا تترك لنا مجالاً لذلك، لا نجاة منها إلا بالاستسلام لها، ونظل نتساءل كنا نركض من أجل ماذا؟ والآن نحاول نبطئ من أجل ماذا أيضًا؟

وتظل تتساءل، فحينًا تجد فُتات إجابات تصون جوعك.. وحينًا تكبُر الأسئلة وتتضخم و مهما كانت أسئلتك بليغة وقوية وفظيعة، فسوف تكون أحيانًا كالطرق على غطاء التابوت، مهما طرقت فلن تصلك إجابة، تنتظر كروضة ذابلة في انتظار الربيع، ربيع الإجابة..

إن أبعد مسافة عنك ليست الكواكب السيّارة ولا ليست نجوم الليل المتلألئة، إن أبعد مسافة عنك هي أنت عندما تجهل ما تريد، عندما تصبح لا تفهم عقلك.

ترغب بجواب لا تعرف ماهيّته، جوابٌ يكون الناتج النهائي لكل مسائلك المُعقدة، واحدًا صحيحًا بسيطًا سليمًا، جوابٌ يجعلك قادرًا على الطيران رغم ثقل كاهلك، جوابٌ هينٌ لين، محفوفٌ بالسعة، وكافٍ. جوابٌ يكون كـدورِ الشروق عندما ننطفئ، بوسعه أن يحوّل بقعة جافة إلى عشب نديّ.

لن تتوقف دوامة السؤال والجواب ما دامت الأرض لا زالت تنبُت، لا نملُك سوى الأمل والترقُب، أمل ألا يكون الجواب ندبةٌ في البال، أو صوابًا في سياقٍ خاطئ، أو هدرًا في مقامٍ شَبَع.. أملٌ ألا نشهد فواتٍ يسلبنا لفحة الالتفات.

فطرة المعارضة

 - الاختلاف لا يُفسد للود قضية
- وجهة نظرك تحتمل الصواب وتحتمل الخطأ
- في النهاية، كل منا حرّ بوجهة نظره!

كُل هذه العبارات تُولد في حضرة الحوار سواءً كانت عن فلمٍ نزل مؤخرًا في السينما، أو عن المشروب المفضل كالصراع الأزلي بين أصحاب القهوة والشاهي ـ أخشى اعتبار نفسي متواطئة أو مُرتكِبة خيانة لحبي لكليهما!-

أو نقاش عن من هو الفنان الذي يمثل الأغنية السعودية، أو عن شخصية مشهورة ما إذا كانت تستحق شهرتها أم لا

هذه النقاشات قد نكونلطفاء وأكثر تقبلًاعند خوضها، لكن عندما يكون النقاش يمسّنا أكثر، ويقترب من ركائرنا، عن فكرة نحمل لها كمٌ ثقيل من الورث الثقافي والاجتماعي الذي نعتقد/ نؤمن به ثم يأتي شخص ويتجرأ على هز هذا الكيان وقول أن ما تحمله من ورث تجاه هذه الفكرة هو خاطئ، خاطئ جدًا، خاطئ لدرجة أن طفل بعمر التسع سنوات يستطيع تمييز ذلك!

هل سنكون لُطفاء ومُتقبِّلين في هذا السياق؟ أو بالأصح هل يجب أن نكون كذلك؟ هل رفض ما يشعرنا بعدم الأمان هو تصرفٌ غير مُتحضِّر؟ هل مُباح لنا الاحتجاج عندما نشعر بانتهاك قواعدنا الأساسية للوجود؟ وأيّ دور هو لنا/ علينا؟ دور المُلام من المجتمع بعدم التقبل؟ أو دور اللاَئِم على هذا الورث المُلقن لنا بشكل متقن؟ أين هي الحدود اللعينة؟!

شخصيًا أعتقد أن الإنسانبطبيعته البسيطةهو مُعارض.. فهو سيُعارض من يشكك في آفكاره وآراءه ومعتقداته، فالإنسان هو كيان أشبه بالسفينة تحمل على ظهرها ما يعرفه عن نفسه، وعائلته، ومدينته، والعالم/ كيف يرى العالم. فكيف يكون الأمر سهلاً عندما تطلب منه التخلي عن ما يشكل كيان هذه السفينة والسقوط في بحر اللا معلُوم والغموض والغير معروف بالنسبة له؟ هل يمكن عندها رؤية أن عدم التقبل هو بداعي النجاة؟

"مدى سوء رد فعلنا حيال الإحباطات يتحدّد نقديًا عير ما نعتبره طبيعيًا"

والمقصد ليس تّزكية هذهالطبيعةبقدرِ ما هي محاولة للفهم..

فَمِثل كل جوانب الإنسان الأخرى الطبيعية التي هي بحاجة لتهذيب، أيضًا هذه الطبيعةالمعارضةوميلنا الفطري لها يحتاج تهذيب..

صحيح أنه ليسببساطةالاقتِناع بوجود أخطاء في فكرنا أو طريقة حياتنا بأيِّ حال من الأحوال وهذا ما يدفعُنا مبدئيًا للمعارضة، لكن ليسَ علينا القلق على من يُخالِفوننا، بل عن الأسباب التي تدفعهم لذلك.

فبدلاً من الالتفات لهم وإثبات مدى حمقهم وجهلهم، يكون تحويل الانتباه لمدى قوة الأسباب التي تدفعهم لِقول ما يقولون.

وبدلاً من الابتلال بنزعة المعارضة والغرق في وَحِلها، يجب ألا نُخفق في سؤال أنفسنا السؤال الأهم: لماذا وعلي أي أساس تم توجيه هذا الكلام لنا؟ فليس كل انتقاد واعتراض هو بدافع البغض والحسد والتحامل، فبعضها تأتي من عقلٍ يفكر بإنصافٍ ودقة.

المفتاح الاحتياطي!

توّلدت تساؤلات لدي حول ماهيّة الوطن وكيف تتكوّن هذه العلاقة الفطرية ومالذي يجعلها ركيزة أساسية في تكوين الإنسان. لو ننظُر مثلاً لعلاقتنا الفطرية مع الأم والأب فلا يتطلب الأمر الكثير من التفكير لِفهم لماذا لهم مكانة ومنزلة لدينا لا يُشابهها أي شيء أخر، فنحن ننشأ معهم و برفقتهم نرى أول مشهد للحياة ويسمعون أول كلمة ننطق بها ويُمسكون بأيدينا حتى لا نتعثّر في محاولات مشينا الأولى، فهي صلة نتفاعل معها طالما حيّينا.. عندما نرى كيف تكونت هذه العلاقة مقارنةً بالصلة الفطرية كذلك التي نحملها للوطن، فالتفاعل في صلة الوطن أشبه بغير موجود أو على الأقل غير واضح، يصعُب علينا مرات تعريف علاقتنا مع الأشياء، مع ذلك الوطن كما قال حجي جابر تبدأ فيه كُل المسارات وإليه تنتهي، هو المرسى الذي تتجاوز فيه كل الرغبات دون أن تجد مكان أكثر إغراءً، وتنتظم فيه كل التناقضات بتناغمٍ باهر..

توقفت عند عبارة في كتابه تقولثمة أوطان تغادرنا رغماً عنّا وعنها، فلا نملك إلا أن نلهث خلفها، مهما اختلف تعريفك الخاص للوطن، فنحن ندين لأنفسنا بالسعي إليه مهما أوغل في الإبتعاد، نمنح أنفسنا فرصة كي نجده وكي يجدنا هو كذلك. قد تتبدّل غايتنا من شيءٍ لنقيضه، وقد نتخلى عن مخاوفٍ لصالح مخاوف أخرى وقد ندفع أحيانًا الثمن مرتين مرة للحصول على شيء ومرة للتخلص منه!.. لكن كل ذلك يهون ويُصبح يَسير عندما نعرف أنه في سبيل الوجهة المُناسبةلن أقول الصحيحة طالما أنه لا يوجد ما يُسمى بالوجهة الصحيحة أو الخاطئة -. تذكر أنك لن ترتوي مالم تعرف سبب عطشك، فقد يموتُ من الظمأ من يُجاوِرُ البحرَ الفسيح!

سابقًا كنت أعتقد أن التوقف عن الإرتواء لفهم دواعي العطش نوعاً من الترف لا أملكه، لكن خيار التوقف أحيانًا أنْفَع وأولى عندما يكون المضي في دائرة مُغلقة! عندما تملك رفاهية معرفة نفسك وأيّ موضع ترغب أن تطأ عليه قدمك، ستجد دائمًا الوصلة للحلقة الناقصة، سيكون لديك مفتاح احتياطي مُخبأ لو أوصدت عليك الحياة بجميع أقفالها، وحتى إن أصبح الواقع أحيانًا هزيلٌ ستحشوه وتغمُره بالمعنى الذي تحمله في نفسك.

وهم السرمديَّة

يمضي الوقت تاركًا علاماته علينا، علاماته في تقاسيم وجوهنا وبين تلافيف أدمغتنا وفي آغوار أرواحنا. أتسائل أحيانًا هل يمضي الوقت دومًا لصالحنا أم نكون مرات غير محظوظين معه؟

لماذا كانت فكرة الوقت ضرورية للإنسان؟ ألم يكن رؤية تقلُب الليل والنهار كافيًا لمعرفة اليوم؟ ما هو الشيء الجذاب في فكرة عقارب تدور راكضًا معها قدما الإنسان حيث لا مجال للرجوع أبدًا! لعل الإجابة الوحيدة على ذلك أن الإنسان لطالما كان عاشقًا لخلق عذاباته.

واجتهادًا لتقليل هذه العذابات هناك حسنة وحيدة، وهي أن الوقت موجود ليُخبرنا أن لكل شيء وقته الخاص. لوهلة قد يبدو الأمر من المُسلمات وحتى الطفل الساذج لا يحتاج لأحد ليُخبره بمثل هذه البديهيات، لكنني أعتقدمن نافذتي الصغيرة على العالمأن خلال مُمارسة الحياة اليومية وفي وسط غمرتها تُنسى مثل هذه البديهيات. سيـتحرر كتفيك من ثُقل هاجس الفوات وضياع الفُرص عندما تؤمن بأن كل شيء يبدأ في وقت معين حاملاً معه رسالة ومغزى وعندما يُأدّى هذا المغزى، تحين النهاية في وقت معين أيضًا.

قد تدخل طور جديد من حياتك وتعيشه بتفاصيله المُذهلة وتنسى حينها أن الحال لن يبقى كما هو للأبد وأن كل حدث تختبره هو لغرضٍ معين، وعندما يحين رحيل هذا الطور تتشبث به بكل ما آتاك الله من قوة بسبب ظنٍ خاطئ منك بوجوب أزلية الأشياء التي ترغب بها. بسبب هذه الفكرة تظل تتخبط الحياة بداخلك، و حتى تخرج من هذا المأزق تحتاج كذلك لفكرة فقط..نعم إلى هذا الحد الحياة مثيرة للضحك، لكن لا بأس نحن نستطيع أن نعيشها بغريزة المُجاراة.

والأمر ينطبق مع العلاقات الإنسانية، تبدأ علاقة وتخوضها بوقائعها الجيدة والغير جيدة ثم يأتي حينٌ تكون العلاقة أدّت رسالتها وغرضها وحانت نهايتها وافتراق الطرق.. في مثل هذه اللحظة قد يميل أطراف العلاقة لمحاولةإعادة إحياءهامُتناسين حقيقة حتمية الأشياء وأن يتصالحون مع النهايات. الإنسان أتى للأرض بقدرٍ محدد، أتى لخوض حياة بأكملها وليس ليعلق ويدور حول نقطةٍ معينة في الزمن ويحوم حولها ويرفض أن يمضي قدمًا، أتى ليُجرب مواقف وأشخاص وأماكن إما ليبني درجة ترفعه أو ليهدم عتبة تعرقله.

أخيرًا، حتى نكون من ثُلّة المحظوظين مع الوقت، علينا جعلهُ حليف الرحلة، الرفيق الذي نمضي معه ونُسلّم للبدايات والنهايات، لأن الحرب مع الوقت حرب خاسرة.

حياد يتيم!

هأنا مرة أخرى أحاول شرح نفسي، لا أعلم بماذا يجب أن ابدأ أو أنتهي، أمشي بتلقائية مُسيّرة مع استقامة السطور وانحناءات الحروف.. ربما أعتبرها رسالة لنفسي أو للفراغ الذي يملئ الفضاء، فأي رسالة هذه أود إيصالها؟ لا أعلم ولا يهمني ذلك حقاً، فلا بأس عندي بنثر فتات في سديم الفضاء..

راقت لي فكرة الحيادالفكري وليس المشاعري، أُغرمت بفكرة إعطاء الأشياء قدرًا متساويًا من الاحتمالية، إلى أن بدأت تنهار موازيين الأشياء، كل شيء أصبح ممكن، كل شيء قد يكون خطأ وقد يكون صحيح، كل شيء أصبح في قائمة الـلا أعرف“.. إذا تجلت فكرة جديدة وعلى منكبيها غمر من الحيرة أُبهتها برمادية الحياد وأحملها على ظهري مع مئة الـلا أعرفالتي أحملها. رافقت الحياد حتى مللته، شربتهُ ماءً وتوسّدتهُ فراشًا ولبستهُ رداءً حتى صرت أتبرّم من لفظه وأهرب من ظله، وحينها أدركت أن وقوفي قد طال في ظلال الحياد.

لا مانع أن أحب فكرةً ما وأؤمن بصحتها وأدافع عنها، أو أن أمقت فكرة وأخرجها من دائرة الاحتمالات. لا زلت أؤمن ببساطة كينونة الإنسان أمام هذا الكون الشاسع وأن العلم مهما كان صحيح وكامل فهو ناقص ولم نُؤتى إلا قليلاً من العلم، لكن هذا لا يناقض أن يتخذ الإنسان موقف حاسم أمام الأفكار والتجارب التي يخوضها، أن يؤيد فكرة وينقض أخرى، فهذا ما يجعل الأنسان كائن فريد، أن نقوم بدورنا في عقلنة الأشياء وحُسن تصنيفها بناءً على تجاربنا.

باعتقادي أن الحياد يقتل الكثير من المتعة، مُتعة الإدراك. لا توجد كلمات تصف مشاعر عندما تكتشف خطأ فكرة لديك وتُصححها بفكرة أكثر أكثر نُضجًا وإنارةً.

اختبرت هذا الشعور عندما قام حجي جابر في روايتهلعبة المغزلبغزل حكاية ثم نقضها وإعادة غزلها بقصةٍ أخرى، فتجد نفسك تُصدق القصة الأصلية ثم تُصدق نقيضها وهكذا. لم سيكُن الأمر ممتعًا وفاتنًا لو لم أؤمن بحقيقة القصة الأولى، لو أنني اتّخذت موقفًامحايدًاتجاه فكرة القصة ووضعتها في قائمة الاحتمالات لما كانت لذة الإدراك واكتشاف جانب الحقيقة الأخرى كما كانت أول مرة. لم يعُد يستهويني انشطار الفكرة إلى نصفين، نصف صحيح ونصف خاطئ. أحبذ أن أنتسب لفكرة انتساب كامل أو أن أعتزل عنها، فلم تعد تروقني بعد الآن الأفكار اليتيمة.

أضعتك بين زحام نفسي..

وجدتك.. وعندها أصبحت الأيام كالحلم، لا تُشبه الواقع بأية صلة. وجدتك وتكوّنت بداخلي عواصمٌ من شيءٍ غامض، هل هي عواصم حنين أم شوق؟ لا أعرف لكن صوتها المدويّ كافيًا أن يسلب كل أصوات البشر بالخارج، فلم تعد الأذن تهوى الاستماع إلا لك. وجدتك وأمست علامات استفهامي إلى نقاط واكتملت أنصاف الإجابات فلم تعد للحيرة زُلفى بيننا. لطالما مارست الحياة لعبتها عليّ وعند كل مرة تهزمني أظل أرجو أن ترأف بي وتُعيد لي عنصرا الحياة، المفاجأة والدهشة.

لكنني أمام حرب الحياة الدائمة، وجدت بمثابةِ راية استسلامي البيضاء، كنداءٍ يدعو للسلام. كانت الطمأنينة هي التسمية الأخرى لك، كنتَ كلحظة الاستشهاد الأخيرة للجندي قبل أن يستفيق على جناتِ النعيم. كنتَ كالصباح الذي يُولد كل يوم، شمسُك تتغلغل في خواطري التي تراكم عليها السُّخام. كانت أقلّ الأفعال منك تحتبس معنى الحياة كلها من شرقها إلى غربها، ضحكتك هي كُل اللغات و حزنك هو كُل الصمت، لأنك سفر العاشق و عودةَ المشتاق.. لأنك تختصر كلَ السماء بتلويحةٍ منك من بعيد. لم أعلم أنني اكتشفتك وامتزجت بك الحياة بكل نوائبها، واقتبستك بالمحاسن الكاملة و بالأوصاف الناقصة، فرأوني حين نظروا إليك وما رأوك. ظللتُ أسرد الأفعال هنا بالزمنِ الماضي..كيف لكل هذه الأشياء أن تكون ماضيًا و لا زلت أحمل ثُقلها فوق أضلاع صدري في حاضري!.. طلبتُ النجاة بالكتابةِ ثم اكتشفت أنني أوهَن من أن أستضيف تقلّب البحر بأمواجه بين السطور ولأنني موهوبة بالغرق، فلذلك أقول بكل الأسى الذي تحمله الأرض في جوفها منذ الأزل.. وجدتك لكنني أضعتك بين زحام الورى، وبين زحام نفسي..

التجاوز الذي لم يُكتب..

‫نغدو في هذه الحياة وفي أيدينا سلعة التجاوز، تضرب أقدامنا لتسير في الأرض وتخطُو أرواحنا خطواتها لتتجاوز كل شيء، نتجاوز الأماكن والأصوات والأشخاص والالآم والأفراح والدموع، نتجاوز تلك اللحظة المحرجة وتلك الأخرى عندما نُخطئ وتلك عندما ظُننا أننا وصلنا للقاع وأن لا مجال للمكان أن يصبح أكثر سوادًا وألمًا، نتجاوز حتى تلك اللحظة عندما يسترِق النور إلى تلك الظلمة ويُنيرها.. كل شيء وُجد لتجاوزه وللمضي للحظةِ التي تليها، وُجدت لحظاتنا منذ مطلعها ومعها فهرس مكانها في طي كتاب الذكريات. أصابت أيدينا قلة الحيلة وأصبحت سلعة التجاوز تكلفةٌ أكثر وهنًا وعجزًا أمامها، ديونٌ غيرَ قادرين على تسديدها أمام أنفسنا. قلتُ سابقًا أن كل شيء وُجد لتجاوزه، لكن ليس كل ما يُقال حقيقة وليس كل ما يُكتب قابلًا لتطبيقه في الواقع.. بعض الأشياء لم يُكتب لها أن تكون من تجاوزاتنا، لم تأتِ لتصبح سطرًا نتذكره في كتاب ذكرياتنا البالي، بل أتت لتزرع جذورها في تُربتنا وتكبر فينا عاجزين عن مقاومة تأثيرها وتجاهله، بل يزداد تأصّلها وعمق جذورها فينا عندما نقاومها، فهي جاءت لتصبح جزء لا يتجزأ من ذواتنا. حقيقة تجاوزها أصعب من حقيقة وجودها، نظن عندما نختار التخلي عنها تنتهي كل صلاحيات سطوتها ونفوذها علينا.. نخدع عقلنا الصغير بهذه الفكرة لكننا نُقر بالخسارة عند اللحظة التي ننطق بها بالكلام فنجد أن الكلمة والفعل والفكرة قد تلوّنوا بالأشياء التي لطالما ألحّينا بأننا تجاوزناها، تسقُط إرادتنا الحرة عند أحب الأشياء لنا، تستحلنا وتسترحل فينا بكُل ما أمداها الله، يصبح لها النفوذ بأن تُشكل عقلنا وتصنع الفكرة تاركين لها الغلبة ومُستمتعين بذلك.. لكن سقوط إرادتنا الحرة لم يقتصر على ذلك، بل أيضًا تسقط عندما نختار تخطيّها، نصبح في بُعد زماني ومكاني أخرين، يمضي الزمن وتسري الأيام لكن عقارب الساعة متوقفةً لدينا عند اللحظة التي تركتنا فيها أحبّ الأشياء لنا.. ‬